في حضور الخضراء
بقلم : سليمان نزال

سليمان نزال

   
إستدعيتُ الخضراء من أعماق فقدي لها في المنفى, منكوبة بما فقدته في البلاد من أخوة و أشجار و أحصنة و حدائق و خوابي فطنة و زيتون.
قلتُ : إستمزجُ صرختها فيما يجري في جرحي و حوله من عاديات تستعدي دمه, نزفاً , إغتيالاً, نسفاً, تدميراً, حصاراً, قصفاً, و إعتقالا..
و لأنني أثق بالخضراء جدة ينابيعي و جذوري و حكاياتي, أستطيعُ الإعتماد عليها, إستراتيجياً و تكتيكياً, سياسياً و تعبوياً, فمستودعات مواجعها و شعبها زاخرة بكل ما هو حزين و صائب و حكيم.
و لأنني أثق بالطرق الصحيحة التي تدلني عليها آلامها, في المنبت و الذاكرة, و ترشدني إليها حسراتها و صهيل يقظتها الأولى بأرضِ المكابدات المرابطة, بمقدوري أن أمسكَ لجامَ فرسِ العذاباتِ و المسافات الصابرة بيد ثابتة الأهداف, واضحة التطلعات السيادية, و أفرك جبيني, مستدعياً شواطىء أيامها, مبحراً في زوارق رؤيتها الربيعية, لامساً صورتها نشيطة تمشي من بيت إنتمائها, مروراً ببوابات القدس الشريف حتى أكناف الحسرات و المرارة و الفقدان.
آه من رؤية الخضراء حيت تتسع, وتصبح نهراً فياضاً , غزيرَ الإنتباه, جامح الموج و الوثبات, محافظاً على أحلامه و مقدساته وعروبته و ضفتيه, بدماء شهدائه البواسل..
الخضراء رؤيتي كيف لا أراها و أتبنى عناصرها الثاقبة الشجاعة و أنا أعالج النكبات المتلاحقة و أدواي أحزاني بالقادر الفارس في تضحيات وصمود و ردود أبطال و نسور و نجوم فلسطين السليبة و العراق الجريح؟
أن إستدعي الخضراء, فأستشيرها في أمر نزيفي و أزماتي, مسألة مبدأ و حماية و إنتساب..
فطالما أن الحماية الدولية , ممنوعة على الفلسطينيين, فلا تصل إلى شعبهم الذي يتعرض للتنكيل و الإبادة في مجازر و جرائم صهيونية مستمرة , فيقاسون و يعانون, قسوة الإحتلال , وحشيته, همجيته, تنكره لحقوقهم في الحرية و العودة والإستقلال, رفضه التقيد بالمقررات الدولية و المعاهدات الإنسانية, إمتلاكه لإسلحة الترويع و الدمار الشامل.
و بما أن الفلسطينين الصابرين المتمسكين بإنتفاضتهم المجيدة و بوحدة صفوفهم و تضافر جهودهم لم يتخلوا عن هدفهم النبيل في إقامة دولة فلسطينية حقيقية, تمتلك كل شروط و صفات العزة و السيادة, قد تخلى عنهم-بسبب ذلك- العرب الرسميين, فآثروا و هم ينشبون مخالب الصمت, الغير حيادي, في أجساد الفلسطيني و قضيته العادلة, فلي الحق-كفلسطيني عربي-أن إتمسك بحماية الخضراء جدتي لأركان ذاكرتي و بيادرها و سهوبها وأن إستمزج صيحات الحق في كلماتها الباقية و أن أرى في ضياء رؤيتها ما لا يريد ان يراه الذين إختاروا أن يدفعوا تكاليف الوصاية و التفريط و التبعية و التواطوء و الخنوع, فراراً من دفع تكاليف و أعباء مواجهة الجهات و الأساطيل و الجيوش الغازية الحاقدة , الإستغلالية, الإستعلائية, و هروبا من التصدي لهذا "الموت القادم إلى الشرق" على أجنحة الطائرات المعادية, ترافقه خطط التقسيم والتأزيم و تسليم إسرائيل العنصرية الإرهابية, ليس فقط رقاب الفلسطينيين و إنتفاضتهم المباركة, بل رقاب و أطراف و تضاريس الخارطة العربية بجموعها و خيراتها و ثرواتها وضلوعها ومستقبل إنسانها..
أن أذهب إلى الخضراء-ستي- و ذاكرتها و وصيتها وتعاليم فؤادها الفلسطيني العربي المسلم, في ساعات الشدة و الحرقات هو ذهاب واع إلى مخزون عزيمة و مستودع تصميم و رفد خصب و تحريض مرتفع القامة و شاهق العمران.
فلي أسبابي, أذكر منها سببين في هذا المنعطف القاهر الكابي :
أ - السفاح شارون, قاتل أطفالنا في رفح و غزة و الضفة, يريد لنا أن ننسحب من رؤانا الخضراء اليانعة المتجسدة في ثوابتنا الوطنية الفلسطينية كي نرى رؤيته الإجرامية التي يرسلها لشعبنا و فصائله, عبر مروحيات القتل و التصفية , و دبابات و جرافات إقتراف العقوبات الجماعية بحق شعبنا من مجازر و أعمال نسف و تدمير بيوت و ممتلكات و إقتلاع الأشجار و المزروعات..حتى يتمكن-واهماً- من تشييد جدار لكل فلسطيني مناضل, يطالب بحقوقه, ينصبه حاجزا يحول بين حصوله على حقوقه في الحرية و العودة و الإستقلال و إمكانية تجسيد هذه الحقوق و الآمال في أرض مستقلة و وطن حر و شعب سيد و مكونات سيادية كاملة..لذا يحاول أن يقطع علي درب إحتمائي برؤية جدتي و كل جدات بلادنا السليبة..
ب - أثبتت التجارب المؤلمة, أن رؤية الخضراء جدتي أكثر جدية و صوابية و إتزاناً من رؤية غازي العراق و حامي إسرائيل و حليفها المتحيز بوش الإبن, فهي في الحقيقة عبارة عن كابوس في البنية و المضمون ووظائف الخداع و الإستخدام-في خدمة إسرائيل و مخططاتها و مكائد إنسحابها الدموي من مستوطنات في غزة!- أما ما نشاهده من الخارج فهو إسفنجة براقة مخاتلة, تمتص إزمات الطرفين المعاديين للعرب و قضاياهم وحقوقهم..
لكل شخص منا خضراء تلهمه فيقصد أهدافها, يصونها من التفريط, يبعدها عن داء الهوان و أهله و مراكزه الرسمية و الإنبطاحية.
و أنا أيضا أريد لرؤية الخضراء, جدة جذوري و منطلقاتي, أن تتسع و تتسع لتشمل المكان كله, ترابا عائداً, خريطة إعتزاز وطني متماسكة, و شعباً يرجع إلى كل دياره و ممتلكاته السليبه.