2005 يستعد لدفن 2004
بقلم : نضـال حمد ـ اوسلـو

كما جرت العادة ها نحن نكتب عن السنة المنتهية وما كان فيها من أفراح وأتراح ومن ليالي سوداء وأخرى بيضاء، ومن أيام سعيدة وأخرى حزينة. فقد كان عام 2004 عام الخسارات الكبيرة للشعب الفلسطيني بالذات ، من ناحية فقدانه لأبنائه وبناته مثل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات والشيخ احمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي وأبو العباس والطفلة ايمان الهمس، والشهيد ابو شرخ قائد كتائب شهداء الأقصى في نابلس، والشهيد عدنان الغول مصنع صواريخ القسام، والشاعر الغرائبي محمد حمزة غنايم، والمطران إيليا خوري ومئات من الشهداء الفلسطينيين الذين حصدتهم آلة القتل الصهيونية. كان عاما فلسطينياً أكثر سوداوية من الأعوام التي سبقته في الألفية الجديدة.

قبيل نهاية العام الأسود بأيام قليلة صدرت رسالة عن 560 شخصاً فلسطينيا منهم نواب ووزراء وأعضاء لجنة تنفيذية ومثقفون وغير ذلك تدعو لوقف عسكرة الانتفاضة،هذا الشعار العريض الضبابي الذي أصبح مطية المرحلة عند أهل أوسلو من الفلسطينيين. نجد من بين الموقعين نجم نجوم المتنازلين ياسر عبد ربه ،والوزير السابق نبيل عمرو ضحية حسابات الربح والخسارة لتجار أوسلو، وقدورة فارس الذي نسى سنوات الأسر والشموخ بجوار الذين لازالوا أسرى ومعتقلين في السجون والمعتقلات والزنازين، كذلك الوزيرة زهيرة كمال والوزير نبيل قسيس والسيد منيب المصري والنائب في التشريعي عن القدس حاتم عبد القادر بالإضافة لحنا عميرة.

طبعا هؤلاء ليسوا هم الوجه الوحيد للشعب الفلسطيني مع احترامنا لهم كلهم ولآرائهم التي نحترمها ولكننا لا نقبلها ونرفضها. ويكفي إلقاء نظرة متمعنة على الأسماء المذكورة، ثم يخرج المرء بانطباع مفاده أن معظم هؤلاء جزء لا يتجزأ من فئة الذين جلبوا مصائب اوسلو لشعبنا، ومن المستفيدين من سلام اوسلو ماديا ومعنويا.حيث في صفوف الشعب الفلسطيني آلاف المثقفين والأدباء والكتاب والسياسيين الذين يرفضون منطق هؤلاء ويؤيدون نهج الانتفاضة والمقاومة والكفاح المسلح المشروع، الذي نعته بيان ال560 بعسكرة الانتفاضة. ولكي يتم دحض تلك الرسالة يجب على أنصار نهج التحرير والمقاومة في فلسطين وخارجها البدء بإعداد رسالة مضادة تظهر مدى التأييد الذي تمتع به المقاومة ونهجها الذي يرفض سياسة ومنطق الخضوع والخنوع الذي كان ولازال نهج أوسلو أهم أسبابه ومسبباته، كما تؤكد على السلام والعادل والشامل وفق قرارات الشرعية الدولية والثوابت الوطنية الفلسطينية.

عربيا و فلسطينيا

تم في 2004 تعيين السيد محمود عباس أبو مازن رئيسا لمنظمة التحرير الفلسطينية (هذه المنظمة أصبحت مثل شاهد زور) خلفاً لعرفات، والسيد فاروق القدومي ابو اللطف رئيساً لفتح أيضا خلفا لعرفات، والسيد ربحي فتوح رئيساً للسلطة الفلسطينية أيضا خلفاً لعرفات.. هذا الذي عرفناه اما الذي لا نعرفه فالله اعلم ماذا بعد .. وهناك تناقض واضح في الساحة الفلسطينية بين ما يريده محمود عباس وما يريده الذين يعارضون مشروعه السياسي. ونهج عباس في المستقبل قد يكون أخطر على القضية الفلسطينية من نهج عرفات، لكنه بالتأكيد لن يخرج الآن عن سكة القطار العرفاتي التي لازالت قائمة،خلال الوقت القريب بحكم التوازنات والحسابات الداخلية المعقدة في فتح بالذات. أما اعتذاره للكويت فلم يكن مشيناً لكنه جاء في وقت مبكر بعد موت عرفات، وكان يجب أن يتبعه اعتذار كويتي عما حصل للفلسطينيين. ونأمل أن يكون الاعتذار قد أعاد المياه إلى مجاريها بين الكويت وفلسطين.

على صعيد آخر فقد ظهرت نهاية هذا العام الى العلن مشاذة كلامية حصلت مؤخرا في عمان بين الوزير فاروق القدومي رئيس حركة فتح والدائرة السياسية في منظمة التحرير الفلسطينية والرئيس اللبناني السابق الياس هراوي، فقد اتهم الهراوي بشكل استفزازي الفلسطينيين بتخريب لبنان، وقال في سجال ناري حصل مع أبي اللطف " حققوا استقلالكم الذي نريده لكم قبل ان تطلبوا أن تكون لديكم سفارة فلسطينية في لبنان" وأستعان الهراوي بتصريح سيء للرئيس عرفات قال فيه الأخير عندما سئل عما اذا كان قادراً على حكم الضفة الغربية وغزة : وكيف يمكن ألا أكون قادراً وأنا الذي حكمت لبنان 15 عاماً؟!"..

الرئيس الياس الهراوي في التقسيمة السياسية اللبنانية المعروفة من زمن الحرب والتي تركت آثارها في زمن السلم، يعتبر من المحسوبين على القسم " الانعزالي" اللبناني الذي دمر وأباد المخيمات الفلسطينية في المنطقة الشرقية من بيروت مثل تل الزعتر وجسر الباشا وضبية وذبح ناسها بدون رحمة وشفقة، و قام هؤلاء أنفسهم مع الصهاينة بمذبحة صبرا وشاتيلا 1982 إضافة لعشرات المجازر والمذابح بحق المسلمين اللبنانيين حيث كان يذبح هؤلاء على الهوية وعند الحواجز الكتائبية والانعزالية. وقد كوفئ بعضهم بان أصبحوا وزراء مثل ايلي حبيقة "اغتيل في بيروت في انفجار سيارته "وغيره، وبعضهم الأقل دموية بأن أنتخبوا رؤساء للدولة.

هؤلاء هم أنفسهم لازالوا يعاملون الفلسطيني معاملة سيئة ومعيبة ومخجلة، فالمسيحيون الفلسطينيين في المنطقة الشرقية يعاملون مثل العبيد عند بعض الكهنة.أما الفلسطينيون في لبنان وبالذات في المخيمات يعاملون أسوأ معاملة ممكنة من بلد عربي شقيق،وقد عومل الفلسطيني في لبنان أسوأ المعاملات في عهد الهراوي - الحريري. واتخذت قرارات نيابية عنصرية ضده، توضح مدى حقد هؤلاء الناس على الفلسطينيين، ولازالت بعض القوانين الجائرة والعنصرية تطبق حتى يومنا هذابالرغم من معارضة كبيرة وعريضة من فئات لبنانية كثيرة مسلمة ومسيحية وطنية وقومية ودينية. فكيف يمكن لرئيس سن تلك القوانين أن يتحدث بلغة الأخطاء والتجاوزات دون أن يعترف هو نفسه بأخطائه وأخطاء من يلتقي معهم بالموقف.

الفلسطينيون في لبنان لازالوا حتى هذه اللحظة يمنعون من العمل ويحاصرون في مخيماتهم، ويتهمون بكل مشكلة كبيرة أو صغيرة تحصل في لبنان المليء بالتناقضات والخلافات والنزاعات الطائفية والسياسية ويعتبر ساحة تصفية حسابات بين كافة دول وأجهزة مخابرات العالم. وعندما يقوم الهراوي باتهام الفلسطينيين باغتيال القضاة الأربعة في مدينة صيدا فهو يريد ان يعيد تكرار الاسطوانة " لقد حولتم مخيماتكم من مخيمات فعلية الى دويلات مستقلة يلجأ اليها المذنبون والمخطئون والمجرمون" هذا كلام سخيف، لأن المخيمات الفلسطينية حملت السلاح للدفاع عن نفسها بوجه قمع وارهاب المكتب الثاني اللبناني (المخابرات اللبنانية) في سنوات الستينات ، الذي مارس الإذلال بحق الشعب الفلسطيني في المخيمات، وفيما بعد وإبان الحرب الأهلية بوجه عصابات الإجرام التي ارتكبت مذابح باص عين الرمانة ثم مخيمات تل الزعتر وضبية وجسر الباشا في السبعينات ولاحقاً مجازر صبرا وشاتيلا مع شارون أوائل الثمانينات، ومن ثم مجازر وحروب المخيمات الطويلة في منتصف الثمانينات. هؤلاء هم من أجبر الفلسطيني على تحويل مسار سلاحه عن اتجاهه الصحيح نحو العدو الصهيوني.

و سيبقى الفلسطيني يتذكر الزهور والورود التي ألقيت على الجنود الغزاة في بيروت الشرقية وغيرها من المناطق.

أما السيد فاروق القدومي فقد أحسن برده حين قال : نحن لم نقتل القضاة الأربعة، والسلاح الذي معنا سنتخلص منه، وإذا كان في المخيمات من مجرمين، فتأكد (موجها كلامه للهراوي) أنهم ليسوا فلسطينيين يا فخامة الرئيس. وأضاف: لم نشأ أن نسيء مطلقاً الى لبنان، وقد عشنا فيه لأننا مضطرون على ذلك، تأكد يا سيدي الرئيس ان الفلسطينيين لا يريدون إطلاقاً أن يسيئوا للبنان وللبنانيين... ثم استدرك قائلاً: انما إذا أردتم أن تفتحوا الأوراق فنحن على استعداد، صدقوني نريد أن نخرج من لبنان، ولكن لا تطلقوا الاتهامات ضدنا جزافاً.. مشكلتكم ان لديكم خلافات في لبنان، ومشكلتنا اننا دخلنا فيها.. فأربعون عاماً واللاجئون محاصرون في لبنان، وهو البلد الوحيد الذي يمنعهم من ممارسة 50 مهنة ووظيفة بصورة علنية، وعلى رؤوس الأشهاد.. لكن دعونا نفتح صفحة جديدة.

كان عام 2004 اسود اللون في بعض الدول العربية كما في فلسطين، ففي العراق لازالت المقاومة على حالها مشتعلة، شعب يصد العدوان ويواجه ويقاوم الاحتلال بكل الوسائل، مدن وبلدات عراقية كاملة تدمر وتُجتاح علنا ولا أحد يسند الشعب المقاوم والمدن الصامدة الصابرة. المدن والعواصم العربية اتحدت بالصمت والهوان شعوبا وحكام، الجميع تفرجوا على الفلوجة وهي تقاوم أمريكا بعظمتها وسلاحها المحرم دوليا، وهي تنزل فيهم و توقع بهم مئات الإصابات، تخيفهم ترعبهم،تجعلهم يظهرون إجرامهم ووحشيتهم بشكل علني مصور ومتلفز، حيث قاموا بإعدام الجرحى في المساجد. الفلوجة مازالت تمنعهم حتى الآن من إعلان سيطرتهم على كامل المدينة، فالمقاومة لازالت موجودة والهلع سيد المكان، أما الزمان والوقت فيعملان لصالح الشعب والمقاومة هناك. وفي نفس الوقت الذي ابيدت فيه عائلات الفلوجة على يد الغزاة واعوانهم، كان وفد من بلدية بغداد التابعة للاحتلال الأمريكي وحكومة علاوي المؤقتة يوقع توأمة بين بلدية بيروت المناضلة وبلدية بغداد المحتلة، كما كتب السيد عبد الحميد الخوري في مقالة له بجريدة السفير اللبنانية نشرت يوم 21-12-2004.

أما في الدول العربية الأخرى فقد فقدت الإمارات العربية المتحدة ومعها أمة العرب زعيما عربيا وحدوياً كبيرا هو الشيخ زايد بن سلطان آل الهيان، وبرحيله تكون الإمارات قد دخلت مرحلة جديدة من حياتها، لا بد ان خليفة الشيخ زايد سيتابع مشوار البناء والأعمار والتقدم الذي بدأه شيخ الوحدة الوطنية الامارتية والوحدة العربية.

و في ارض الكنانة،مصر العظيمة فقد أطلق سراح الجاسوس الصهيوني عزام عزام وخرج من سجنه الى الحرية بدون أي مقابل منطقي ومقبول، ورغم أن هناك 7 مصريين أسرى في السجون الصهيونية منذ أعوام كثيرة، إلا أن عزام عاد لأهله بينما هؤلاء الأسرى العرب المصريين لم تذكرهم مصر ولم تتذكرهم حكومتها. حيث كان الأولى بها ان تضعهم نصب عينها أثناء التبادل، لأننا لا نفهم مبرر عدم مبادلتهم بجاسوس مثل عزام عزام، وهؤلاء أبناء مصر. وقد برر الرئيس مبارك عدم شمول صفقة عزام لأسرى آخرين مثل مروان البرغوثي او سمير القنطار بالأولويات، وبأن الأولوية للمصريين، غامزا من طرف الطلاب الستة ، لكننا نقول للسيد الرئيس ان الأولوية للمصريين الثلاثة عشر لا للستة طلاب فقط لا غير، للفدائيين المصريين السبعة المعتقلين منذ سنوات في سجون الصهيانة. لماذا لم تشملهم الصفقة المذكورة؟!...

ماذا يحمل لنا عام 2005 ؟

بحسب الفلكي التونسي العالمي حسن الشارني فأن سنة 2005 سوف تدفن بوش بالاغتيال بعد مصاعب كبيرة ستواجهه بسبب احتلال العراق. ثم سيتم ايضا اغتيال اياد علاوي دمية بوش في بغداد. كما أن محمود عباس ابو مازن سوف يغتال بين أيار - مايو وحزيران - يونيو 2005، وارييل شارون سينتهي به الأمر أن يقضي بقية حياته مقعدا على كرسي متحرك. وصدام حسين سيموت قبل اكتمال المحاكمة، كما توقع موت رئيس مغاربي في 2005،و توقع أيضاً وقوع هجمات إرهابية في ايطاليا وبريطانيا. بالإضافة لوقوع تقلبات سياسية واقتصادية واجتماعية في غاية الصعوبة بسبب تحرك كوكب المشتري أحد كواكب النحس.

والشارني هو نائب رئيس الاتحاد الفلكي العالمي وكان الشارني تنبأ بموت الأميرة ديانا قبل ثمانية اشهر من حادث السير الذي أودى بحياتها في باريس سنة 1997. كما أنه تنبأ في بداية 2004 بموت عرفات في ظروف غامضة وذلك عبر قناة فضائية عربية. ومنذ ذلك الحين أصبحت نبوءاته مشهورة عالمياً. ولا ندري هل ستتحقق في هذا العالم تلك النبوءات الجديدة باغتيال بوش في اجتماع عام مثل رابين.. والشارني يستخدم في نبوءاته الفلكية تنبؤات المنجم الفرنسي نوستراداموس التي تعود للعام 1555.

إذا صدقت تلك التوقعات أو النبوءات الشارنية التونسية، فأن العام القادم سيكون صعباً وعاتياً، وقد لا يختلف كثيرا عن العام الحالي الذي بدأ وداعه للناس بالموت الفجائي ، الجماعي كما حصل في دول آسيوية عدة من هزات أرضية وغرق لمدن وأماكن عدة بسبب أمواج المد التي اجتاحت تلك المناطق. وفي الختام نقول لا يصح إلا الصحيح والحياة دورة كاملة،ولا بد لها أن تدور دورتها كل عام.

نضـال حمد ـ اوسلـو
29-12-2004