أنعم بالوزير "فريح أبو مدين" جندي حراسة
بقلم : د. فايز صلاح أبو شمالة

      لم يعد الشاعر العربي على بن أبي الجهم من الموت، ولم يأت من بادية العرب إلى حاضرة غزة طلباً لرغد العيش، ولم يجئ مادحاً للخليفة بقوله الشعري المشهور :

      أنتَ كالكلبِ في حفاظِ الودِ             وكالتيسِ في قراعِ الخطوبِ

      ولكن غزة عادت إلى الماضي ألف عامٍ عندما تخفى لصوص الرمل تحت الرتب العسكرية؛ فاضطر الوزير في السلطة الفلسطينية أن يصير جندي حراسة، وأن يصير نسراً جارحاً، ويصير فدائياً يحمل الرشاش إن استوجب الأمر، ويصير استشهادياً يتزنر بالحزام الناسف، ويخبئ القنابل، ويتسلل تحت جنح المفاجأة ليواجه العدو.
      ما سبق ليس مغامرة ذهنية، أو تخيلاً، وليس مقالاً صحفياً، ما سبق أحداث حقيقة على رمال غزة التي قاومت الغزاة، وانتصرت بشلال الدم، وتصر على أن تحارب اللصوص مع تواصل تدفق شلال الدم ذاته، لأن عدو الرمل هو عدو التراب وإن تغيرت الأسماء، وتبدل لون الثوب، ولكن هذه المرة إن اشتعلت شرارة الحرب ضد رؤوس الفساد فستكون أشرس، ودون هدنة أو تهدئة أو وقف لإطلاق النار، وإنما اقتلاع للظلم من جذوره، وبالقوة النابضة في عروق الشباب، ومن الوجع المخزن في المخيمات، والهموم المكدسة في صدر أهالي الشهداء، والجرحى، ومن مكابدة الأسرى الذين يواصلون الدفع ليواصل اللصوص القبض، وحتماً ستنتصر كرامة الشعب على مهانة اللصوص.
      قبل رواية القصة التي يقشعر لها بدن كل وطني شريف، وينتفض لها في نفس الوقت عرق المجد فوق الجبين، لا بد من التذكير بأن الرئيس أبي مازن قد أصدر قراراً رئاسياً بعد أيام من توليه الرئاسة يحظر بموجبه على أحد مهما كان، أن يمس حبة رمل واحدة من مدخرات الشعب العربي الفلسطيني، ولأننا نراقب يومياً النهب والسلب للرمال التي ملأت جيوب الخونة، هللنا وكبرنا للقرار، وقلنا في مقال سابق نشر على صفحات الجرائد في الداخل والخارج؛ شكراً، ثم شكراً يا أبا مازن، لأنك أعدت مسئولية الرمال لسلطة الأراضي ولوزارة المالية، نعم للإشراف والمراقبة على كل كباش رمل يباع بعشرات الشواقل، ولا لكبش الدولارات، ولكن للأسف، لقد نسف القرار الذي ظل على الورق، وظل كل شيء على حاله حتى يومنا هذا، ومن يتشكك بكلامي، فليذهب إلى منتصف الطريق الغربية بين خان يونس ورفح ليرى بأم عينه في (قوز النجار، على حافة الموقع العسكري الإسرائيلي) كيف تباع رمال الوطن، وكيف يقبض الثمن، ويتقاسم اللصوص.
      ولكن ما هي تفاصيل ما حدث في الشمال على رمال غزة؟
      وما غزة إلا رملٌ وبحرٌ وحجرٌ وشجرٌ وقمرٌ من الأحلام والحرية ومقاومة الغزاة، ومن يسرق الرمل يسوق الوطن للغاصبين، وهو متآمر معهم، وسليل فعلهم المشين، هذا الفهم لأهمية محاربة سرقة الرمال حرك الوزير "فريح أبو مدين" إلى موقع الرمل المسروق، بعد أن أبلغ بذلك، وأبلغ أن لا قوة فلسطينية على الأرض قادرة على الاقتراب من لصوص الرمل، وأبلغ عن تواصل عمل الكباشات والشاحنات دون خوف أو وجل أو حذر أو ردع من أي جهة كانت، لقد تأكد للرجل أن رمل فلسطين يصير شواقل إسرائيلية، تتحول إلى دولارات أمريكية، وتتجمع في جيوب، تنتفخ، تنفجر هموماً في وجه المقاومين الشرفاء، وبطالة تحت أقدام العمال الصابرين، وانعدام فرص العمل أمام الخريجين المتحرقين على شاقل واحد.
      مجرد أن وصل إلى المكان، حاول وزير العدل السابق، رئيس سلطة الأراضي السيد "فريح أبو مدين" أن يشرح للقائم على نزح الرمل خطورة عمله، وأنه يخالف بذلك القانون، وأن أوامر الرئيس تمنع هذا العمل الذي لا يخدم الوطن، ولكن لص الرمل رفض الاستماع، وأصر على أنه لا يتلقى تعليماته من الرئيس.
      إلى هنا وما زال "فريح أبو مدين" يتصرف وفق المنطق والعقل، حتى عندما تنازل عن كبرياء الموقع الوظيفي، وفتح اتصالاً تلفونياً مع الرئيس أبي مازن، وأبلغه بما يحدث على الأرض، ولكن السارق الذي ولغ في لحم الفلسطينيين أبى وأستكبر، وأصر بعد إغلاق الهاتف مع الرئيس على أن مصدر أوامره ليس أبي مازن، وأصدر أوامره إلى الكباش والشاحنات بمواصلة العمل، وتحميل الرمل الذي غمسه الشهداء بالدم، دون أن يخشى أحداً.
      وأنا استمع للقصة تذكرت نقيب المحامين "فريح أبو مدين" عندما جاءنا زائراً إلى سجن نفحة سنة 1991، بعد إضراب شامل عن الطعام لمدة عشرين يوماً، وكان برفقته المحامي يونس الجرو، ونقيب المحامين الحالي محمد أبو النصر، كان فريح أبو مدين ثائراً لا يخاف أحداً، فما الذي دهاه اليوم!!، كان يقف على باب غرف السجن، يحي السجناء المضربين عن الطعام، يومها أصر على التحدث إلي، ومصافحتي رغم دفعات السجان له، لقد ظل متمرداً، تشده تجربته كسجين أكثر من تجربة كنقيب المحامين سيلتقي مع مدير السجن للتباحث معه بشأن إضراب السجناء المفتوح عن الطعام.
      أمام سارق الرمل شعر "فريح أبو مدين" أن الحق والقانون لا يسود بلا قوة، وأن وطن يستباح من صعاليك لا ينفع معهم التعامل بالذوق، ووفق المنطق والقانون، فأي قانون، وإقناع لمن استخف بالقانون والقائمين عليه؟
      صرخ فريح أبو مدين على لص الرمل: أنا في موقعي الوظيفي، (وفق التسمية الإنجليزية) كلب حراسة على أملاك الحكومة!!!، واجبي أن لا أسكت على من يسرق الرمل، كف عن السرقة وإلا....
      ولكن السارق استخف بالحق، رفض التجاوب، واحترام لحظة الحقيقة التي تمد الضعيف بالقوة، وتجرد الغول من كبريائه، أغمض عينه عن لفظة؛ وإلا....!!!
      تلك اللفظة التي تحدث النقلة النوعية، وتشحن الحالة بعوامل الفوران والتفجر، لقد اكتملت أسباب تحول الوزير من كلب حراسة إلى أسد شرس يزأر، ويهجم، ويفترس الثعالب، فجأة رجع "فريح أبو مدين" عشرات السنوات إلى الوراء، إلى تلك الأيام التي عمل فيها فدائياً، شعر أنه يحمل القنابل التي ألقى بها ذات يوم في وسط غزة،
      فك فريح أبو مدين رباط العنق، واستل مسدسه، وأشهره في وجه السارق، وصرخ ابن العقد السابع من العمر على لص الرمل الذي يلبس ثوب العسكر الفلسطيني:
      واجبي يحتم علي أن أدافع عن رمل الوطن بالطريقة التي لجأ لها شباب الانتفاضة ضد العدو الإسرائيلي، إن المستهدف في كل الحالات هو الرمل، وسارقه عدو مهما كان، فإن لم تجلُ عن الرمل الفلسطيني، وتسحب الشاحنات والكباش، سأطلق عليك النار، ونادى الوزير على من يرافقه، قائلاً: بعد خمس دقائق أطلقوا نار الرشاش على كل شاحنة تسرق الرمل، إن لم تفرغ حمولتها فوراً، وتهرب من المكان!!
      الله أكبر ما أشرف نخوة الرجال إذا انهمرت على الجرح، إنها الطب والدوى!!، لقد تكسر الظلم شظايا، تقهقر الشر، وانهزم السارق، وفر مرعوباً من ساحة الرجال، لقد فهم السارق أن نساء فلسطين تنجب من يعربد على من تعود أن يعربد على الناس، لقد أدرك السارق أن غزة كلها تصرخ عليه، فالمريب يعرف نفسه، وصرخة المقهور أكانت من حنجرة "فريح أبو مدين" أو من شبل صنع النصر؛ فهي ضد التجبر والطغيان، لقد تجاوزت الصرخة حبات الرمل، وترددت أصداؤها في كل فلسطين، لقد دوت الصرخة من حناجر كتائب شهداء الأقصى فصارت خناجر، وصارت ريحاً تعسف الشوك في عيون اللصوص المستكبرين، وتعصف بحبل الموت، تلفه حول عنق الطغاة، لقد دوت الصرخة قبل ذلك كرامة على مقبض بندقية كتائب الشهيد عز الدين القسام، نحن معاً ضد الباطل، ودوت الصرخة في فعل سرايا القدس، نحن معاً ضد هذه الحفنة التي لن تنسف مهانتها عزتنا، معاً كالريح نكشف عورتهم، معاً في رحلة الألف ميل التي يجب أن لا تتوقف، وأن تتلاحق بخطوات من الكرامة ضد من يدنس كرامة شعب.
      هذه فلسطين؛ وإن في فلسطين من الرجال، والشهامة والنخوة، والقوى الديمقراطية النظيفة الكثير الكثير القادر على صفع الخونة اللصوص، إن شعباً يقتحم جدران الموت، ويمزق السياج الفاصل بين رهبة البقاء ورغبة الخلود، لا يرتضي أن يظل صامتاً على فجور تمطى بصلبه، ساد وتوسع قبل انتفاضة الأقصى، إن زمن الوهن الذي تربع على صدر الشعب قبل شلال الدم ليختلف عنه بعد ذلك، إن زمن الاحتلال والباطل قد ولى، وجاء من بعده الحق؛ زمن النصر المبين الذي تحقق بفعل سواعد الشرفاء، إن هذا الزمن لهو زمن الشرفاء، وكل من يتحسس تاريخه الأسود الذليل لينزل فوراً عن ظهر الشعب، وليرحل عن الرمل المقدس، وإلا....!!!
      قلم الذاكرة:
      نسجل هنا موقفاً شريفاً لحركة فتح نفذه الوزير فريح أبو مدين، فإن نجحت الحركة في تقديم تسعة موافق شبيهة ضد كبار اللصوص؛ المعروفين المكروهين، والخونة المأجورين، وتستوفي شروط محاكمتهم العلنية، وتوقع عقاب الشعب، فإننا نبشر فتح بالفوز المبين في انتخابات المجلس التشريعي، فالفرصة ما زالت مهيأة، ورياح محاربة الفاسدين مواتية، وإلا.
      مطر الحكاية :
      روى لنا التاريخ، وكتب الأدب والأخلاق؛ أن الشاعر العربي على ابن أبي الجهم بعد أن هجر البادية، وارتاح في حاضرة بغداد، واطمئن على حياته، وعلى رزقه، ورزق عياله، وأمن نفسه من الجوع، ومن الخوف من غائلة الخونة ولصوص الرمل، قال:

      عيونُ المها بينَ الرصافةِ والجسرِ         جلبنَ الهوى من حيثُ أدري ولا أدري


* الكاتب حاصل على شهادة الدكتوراه في موضوعة الحرب والسلام في الشعر العربي والشعر العبري على أرض فلسطين
fshamala@yahoo.com

تاريخ النشر : 01/04/2005